السيد مير محمدي زرندي
202
بحوث في تاريخ القرآن وعلومه
وأما الجواب فهو : أن جعل بيت من البيوت كالكعبة أو بناء من الأبنية أو الأجسام كبيت المقدس أو الحجر الواقع فيه قبلة ليس لاقتضاء ذاتي منه ، يستحيل التعدي عنه ، أو عدم إجابة اقتضائه ، حتى يكون بيت المقدس في كونه قبلة لا يتغير حكمه ولا يجوز إلغاؤه ، بل جميع الأجسام والأبنية وجميع الجهات التي يمكن أن يتوجه إليها الإنسان في أنها لا تقتضي حكما ولا تستوجب تشريعا على السواء ، وكلها لله يحكم فيها ما يشاء وكيف يشاء ( 1 ) . وعليه ، فيمكن القول : إن قوله تعالى " ولله المشرق والمغرب " ليس فيه إنشاء حكم مستحب أو واجب ، بل أراد الله تعالى أن يدفع إشكالا أوردوه على تحويل القبلة ، فهو يريد أن يقول : إن جميع الأرض شرقها وغربها عنده تعالى سيان ، وله أن يأمر الناس أولا بالتوجه إلى بيت المقدس ، ثم يأمرهم بالتوجه إلى الكعبة ، فلا إشكال . ولكن يبقى في المقام سؤال هو : أنه كيف إذا يصح تمسك الأئمة ( عليهم السلام ) بقوله تعالى " أينما تولوا فثم وجه الله " على جواز الصلاة إلى غير القبلة ، وذلك كما في الرواية المروية عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : سألته عن رجل يقرأ السجدة وهو على ظهر دابته ، قال : يسجد حيث توجهت ، فإن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان يصلي على ناقته النافلة وهو مستقبل المدينة ، يقول " فأينما تولوا فثم وجه الله " ( 2 ) . فهذا الحديث يدل بظاهره على أن الآية في مقام إنشاء الحكم ، حيث استدل بها الإمام ، فكيف يصح ما تقدم من أنها ليست في مقام إنشاء الحكم ؟ وأجيب بأنه لا تنافي بين ما قلناه وبين استدلال الإمام ( عليه السلام ) بالآية على جواز السجدة حيث توجهت ، فإن ذكره ( عليه السلام ) للآية لعله لدفع توهم المستشكل ، أي ليفهم أن جميع الجهات هي لله لا للاستدلال بها على الحكم الشرعي . إن الصلاة إذا كانت على الناقة إلى غير القبلة كانت صحيحة ، لأن النافلة يشترط فيها فقط
--> ( 1 ) تفسير الميزان : ج 1 ص 318 . ( 2 ) تفسير البرهان للسيد البحراني : في تفسير آية 115 من سورة البقرة .